السيد عبد الله شبر
39
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
فلا يلزم الجبر ولا ينافي الاختيار ، ألا ترى أنّ اللَّه تعالى لمّا علم أنّ بين النبيّين والمؤمنين اتّصالًا من وجه وانفصالًا من وجه آخر - لأنّ المؤمنين يوافقونهم في العقائد ويخالفونهم أحياناً في الأعمال ؛ لصدور المعصية منهم - خلق قلوب المؤمنين من طينة النبيّين ، وخلق أبدانهم من دون ذلك ؛ لانحطاط درجتهم وشرفهم ، فوضع كلّاً في درجته . وإنّك إذا قرّرت لعبدك المطيع بيتاً شريفاً ولعبدك العاصي بيتاً وضيعاً صحّ ذلك عقلًا وشرعاً ، ولا يصفك عاقل بالظلم والجور ؛ إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهو يلزم لو انعكس الأمر أو وقع التساوي ، فبان أنّ الخلق من طينتين علّيّين وسجّين ، تابع للطاعة والمعصية والإيمان والكفر دون العكس . التاسع : ما صار إليه المحدّث المحقّق الكاشانيّ في الوافي حيث قال - بعد إيراد الخبر المذكور باختلافٍ يسير في ألفاظه - ما نصّه : جملة القول في بيان السرّ فيه : أنّه قد تحقّق وثبت أنّ كلّاً من العوالم الثلاثة له مدخل في خلق الإنسان وفي طينته ومادّته من كلّ حظّ ونصيب ، فلعلّ الأرض الطيّبة كناية عمّا له في جملة طينته من آثار عالم الملكوت ، الذي منه الأرواح المثاليّة والقوى الخياليّة الفلكيّة المعبّر عنها ب « المدبّرات أمراً » ، والماء العذب عمّا له في طبيعته من إفاضات عالم الجبروت ، الذي منه الجواهر القدسيّة والأرواح العالية المجرّدة عن الصور المعبّر عنها ب « السابقات سبقاً » ، والأرض الخبيثة عمّا له في طينته من أجزاء عالم الملك ، الذي منه الأبدان العنصريّة المسخّرة تحت الحركات الفلكيّة المسخّرة لما فوقها ، والماء الأجاج المالح الآسن عمّا له في طينته من تهييجات الأوهام الباطلة والأهواء المموّهة الرديّة ، الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت ممّا لا أصل له ولا حقيقة . ثمّ الصفوة من الطينة الطيّبة عبارة عمّا غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك ، والثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت ، وكدورة الطين المنتن الخبيث عمّا غلب عليه طبائع عالم الملك وما يتبعه من الأهواء المضلّة . وإنّما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمّة عليهم السلام مع أنّ أبدانهم العنصريّة منه ؛